الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
165
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فالأحسن أن تكون جملة فَرِيقاً كَذَّبُوا حالا من ضمير إِلَيْهِمْ لاقترانها بضمير موافق لصاحب الحال ، ولأنّ المقصود من الخبر تفظيع حال بني إسرائيل في سوء معاملتهم لهداتهم ، وذلك لا يحصل إلّا باعتبار كون المرسل إليهم هذه حالهم مع رسلهم . وليست جملة فَرِيقاً كَذَّبُوا وما تقدّمها من متعلّقها استئنافا ، إذ ليس المقصود الإخبار بأنّ اللّه أرسل إليهم رسلا بل بمدلول هذا الحال . وبهذا يظهر لك أنّ التّقسيم في قوله : فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ليس لرسول من قوله : كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بل ل رُسُلًا ، لأنّنا اعتبرنا قوله : كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ مقدّما من تأخير . والتقدير : وأرسلنا إليهم رسلا كذّبوا منهم فريقا وقتلوا فريقا كلّما جاءهم رسول من الرسل . وبهذا نستغني عن تكلّفات وتقدير في نظم الآية الآتي على أبرع وجوه الإيجاز وأوضح المعاني . وقوله : بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ أي بما لا تحبّه . يقال : هوي يهوى بمعنى أحبّ ومالت نفسه إلى ملابسة شيء . إنّ بعثة الرسل القصد منها كبح الأنفس عن كثير من هواها الموقع لها في الفساد عاجلا والخسران آجلا ، ولولا ذلك لترك النّاس وما يهوون ، فالشرائع مشتملة لا محالة على كثير من منع النّفوس من هواها . ولمّا وصفت بنو إسرائيل بأنّهم يكذّبون الرسل ويقتلونهم إذا جاءوهم بما يخالف هواهم علمنا أنّه لم يخل رسول جاءهم من أحد الأمرين أو كليهما : وهما التّكذيب والقتل . وذلك مستفاد من كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ ، فلم يبق لقوله : بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فائدة إلّا الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنّهم يكذّبون الرسل أو يقتلونهم في غير حالة يلتمسون لأنفسهم فيها عذرا من تكليف بمشقّة فادحة ، أو من حدوث حادث ثائرة ، أو من أجل التّمسّك بدين يأبون مفارقته ، كما فعل المشركون من العرب في مجيء الإسلام ، بل لمجرّد مخالفة هوى أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه فتتعطّل بتمرّدهم فائدة التّشريع وفائدة طاعة الأمّة لهداتها . وهذا تعليم عظيم من القرآن بأنّ من حقّ الأمم أن تكون سائرة في طريق إرشاد علمائها وهداتها ، وأنّها إذا رامت حمل علمائها وهداتها على مسايرة أهوائها ، بحيث يعصون إذا دعوا إلى ما يخالف هوى الأقوام فقد حقّ عليهم الخسران كما حقّ على بني إسرائيل ، لأنّ في ذلك قلبا للحقائق ومحاولة انقلاب التّابع متبوعا والقائد مقودا ، وأنّ قادة الأمم وعلماءها ونصحاءها إذا سايروا الأمم على هذا الخلق كانوا غاشّين لهم ، وزالت